تأمّل في أحد مدخل الصوم – أحد عرس قانا الجليل

تأمّل في أحد مدخل الصوم – أحد عرس قانا الجليل

إنه الصّوم الكبير، زمن التوبة والرجوع الى الله، والامتلاء من نعمه.

تفتتح الكنيسة زمن الصّوم بإنجيل يتكلّم عن العرس لتعلّمنا بأن الهدف من الصّوم هو لقاء العريس يسوع المسيح فيتم فرحنا وعرسنا الروحيّ بلقائه في ختام الصّوم في حدث القيامة.

يبدأ الإنجيل بعبارة “اليوم الثالث” فهذه إشارة واضحة إلى قيامة المسيح في اليوم الثالث. ومن هنا علينا أن نعيش الصّوم كمسيرةٍ تصل بنا إلى لقاء القائم من بين الأموات فيتحقّق العرس والفرح.
ونفاذ الخمر في العرس يعطينا درساً عظيماً لحياتنا.
الخمر هو الفرح ونفاذه يعني إنتهاء الفرح ولا أحد يستطيع أن يعطينا الفرح الدائم في حياتنا سوى المسيح معطي الخمرة الجيّدة.
حملت مريم “المشكلة” إلى المسيح: لم يبقى لديهم خمر!
هنا تظهر مريم كشفيعة لنا في المحن عندما ينتهي فرحنا. ومريم هنا هي مثال للمؤمن المصلّي الذي يطلب من المسيح ويلتجئ إليه دون أن يفرض عليه ما يجب أن يفعله، مريم حملت “المشكلة” للمسيح دون أن تفرض عليه الحل وثقت أنه صاحب الحلول وآمنت كعادتها “أنه ليس عند الربّ أمر مستحيل.”
أضف إلى ذلك، مريم الشفيعة وأم الكنيسة تعلّمنا أن نفعل ما يقوله لنا يسوع في الإنجيل وليس لديها تعاليم إضافية تزيدها على ما علّمنا إياه إبنها في الإنجيل المقدّس وهذا ما قالته: “إفعلوا ما يأمركم” المسيح” به.”

وكان هنالك ستة أجران ماء التطهير ويبدو أنها شبه فارغة.
عدد ٦ هو عدد النقص يكتمل حين يصبح العدد ٧. فالمسيح هو الجرن السابع أو بالأحرى جرن المعمودية هو الجرن السابع. فكمالنا هو المسيح.
الماء هنا يرمز إلى الحياة. فالحياة بدون المسيح ناقصة. يأتي المسيح إلينا ليتحوّل ماءنا (حياتنا) إلى خمرة جديدة (إلى فرح أبدي). بدون المسيح, لا فرح في حياتنا. هذا ما قاله لنا في موضع آخر من إنجيل يوحنا (جئت ليكون فرحكم كاملاً).
قال يسوع لأمّه يا “امرأة” أي يا سيدة إحتراماً لها. فهي هنا أيضا حواء الجديدة “المرأة الجديدة” الّتي تعطي الحياة للبشرية الجديدة. ونرى أن المسيح إستجاب لطلب مريم وحقّق المعجزة فطلب مريم لا يُرفض.
لأنه ابنها ولأنها مثال الإنسان المؤمن “طوبى لك يا من آمنت”. هذا ما قالته أليصابات لها والمسيح يقول بنا: “كلّ ما تطلبونه منّي بإيمان، تنالونه”.
من هنا طلب العذراء لا يُرفض.

وبعد أن ملؤوا الأجران ماءً، صنع يسوع المعجزة، ولمّا تذوّق رئيس المائدة الخمر وجدها جيدة…

خمرة يسوع هي كلمته وتعاليمه وبخمرته الجديدة نصل إلى الفرح. لا فرح في حياتنا اذ لم نرتوي من خمرته: تعاليم الإنجيل.

في الختام، ان المسيح الذي حوّل الماء إلى خمر سيحول في الإفخارستيا الخمر إلى دمه. وإن كانت معجزة قانا قد حصلت مرّة واحدة فإنّ الإفخارستيا (القداس) هو معجزة دائمة أبدية نلتقي بها المسيح عريسنا كعربون للقائنا الأبدي به له المجد إلى الأبد، آمين. 

 تأمّـل روحي

خوابينا

“فدعا إليه العريس”(يو 2: 9)، كلّمه عن الخمر فهل كان يشيد به لأنّ الخمرة جيدة لا بل مميّزة أم يعاتبه لأنه لم يحترم الترتيبات فقُدِّمت في الأخير؟ في كِلا الحالتين شدّت طيبتها انتباه القيّم فكيف بك الحضور!
أمّا العروس فلم يُأتى على ذكرها لأنّ النعم قد قالتها وبسببها العرس قائم. زوجان دون أن يدريا دخل الحب بيتهما ليكون أوّل عرسٍ ثالوثيّ بامتياز في العهد الجديد وثمرته بانت على الفور: خمرة طيّبة.

اليوم ماذا يقدّم الأزواج في عرسهم؟ ماذا يحضّر مجتمعنا للمستقبل؟ أيّ ثقافة يسهّل الطريق لها قلّة إدراكنا، الطريق لخطورة الخمرة الرديئة، ماذا بعد استفاقتهم من سكرتهم المؤلمة: طلاق؟ نعم وتداعيات على دعائم المجتمع المستقبلي، عنيت بهم أطفالهم ليرتموا في أحضان الجزن والجراح النفسيّة إلى ماذا ننظر فيهم وهم راشدين؟ أيّ عدوى أصابتهم يحلّون ارتباطهم المقدّس من قبل أن يولد في داخلهم فليست الشعائر الدينية هي من تؤسّس هما وثالثهما الحبّ الأكمل: الله في ثالوثه هو الّذي يشهد على ولادة هذا الحبّ.

نحن نأكل الحصرم وأولادنا يضرسون.
نحن نزرع الزؤان وهم يجوعون.
ملأنا قناديل أولادنا بماء فبماذا يستنيرون.

أيّها الأزواج، لم يبقَ الكثير من الوقت قبل أن تُظلِم عوائلنا، هيّا أكسروا الخوابي العتيقة في قلوبكم واسكبوا خوابي قانا قلوب أولادكم ودعوا نبيذها ينساب في كلّ خليّة وطيّة دماغ ورحم ليجدّدها. إجعلوهم يتذوّقواطعم الحبّ الحقيقي، حبٌّ ثالوثي لا يشهد عليه إلّا الله في كيان رجلٍ وامرأةٍ اجتمعا من أجله في وحدته ليفيض من ذاته فيهما. لِنَعُد إلى همس النسيم في أعماقنا ونصمت، نصمت أمام قدسية الزواج مصلّين، متأمّلين مندهشين أمام هذا السرّ العظيم، صورة الله ومثاله المسكوبة في جبلة ترابٍ تألّهت بالحبّ وتماهت بصورة الثالوث القدسية، لتثمر حياة في ذاتها لا تموت. 

تأمّـل وصلاة :

ربّي وإلهي … لا أعتقد أنّ هناك قراءة من الإنجيل لا تدعو إلى الوصيتين اللتين تختصرا الشريعة: “أحبب الله من كلّ قلبك” و “أحبب أخاك كنفسك”. فالقديس بولس في رسالته أهل روما، الفصل 14 والآيات من 14 إلى 23 يربط محبة الإنسان لأخيه الإنسان بالعمل على خلاصه وعدم وضع حجر عثرة أمام خلاصه، وكلّ هذا محبةً بك لأنك تود من الجميع أن يحضر حفلة عرس الإبن ويفرحوا. وهذا ينطبق أيضًا على ما فعلته العذراء مريم في عرس قانا الجليل إذ أبقت العرس قائمًا بفرح محبةً بالآخر وأيضًا أشارت على إبنها ليدرك تلاميذه هويته ويؤمنوا به محبّةً بك ومجدًا لك: الله الآب والإبن والروح القدس.

ربّي وإلهي … أنت قلت لنبيّك حزقيال: “أعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعلُ في أحشائكم روحًا جديدًا، وأنزعُ من لحمِكم قلبَ الحجرَ، وأعطيكم قلبًا من لحم، وأجعلُ روحي في أحشائكم وأجعلكم تسيرون على فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها” (حزقيال 36: 26-27). أشكرك يا إلهي على معونتك ونعمتك الإلهية: “يسوع المسيح” الَّذي طبع محبتك في قلبي وحوّل كياني إلى محبة تعكس محبتك للآخرين، فيشكرونك ويُمجّدون إسمك القدّوس. أشكرك يا إلهي إذ أنك علّمتني أن أحبك فوق كلّ شيء وبالصلاة [قولاً وفعلاً بالجسد وبالروح] أتقرّب منك، وعلّمتني أن أعمل جهدي بالصوم [قولاً وفعلاً جسدًا وروحًا] عن الدنس والخطيئة التي تُبعدني عنك لأضبط نفسي وميولها دلالة على محبتي لذاتي التي لن أرضى لها إلا أن تكون معك في ملكوتك السَّماوي، وعلّمتني أن أرحم الآخرين بالصدقة [قولاً وفعلاً للجسد وللروح] دلالة على محبتي لهم كما أُحبّ نفسي. لك الشكر على الدوام، آمين. 

kobayat.org